الحلاج.. المقتول بالكلمات

له في  اللغة  قارب، غاص به متلمسًا عشق الأمواج، لم يُجد ركوبها، لكن نقاء بواطنها يؤسره، تموج دواخله، فيزيد هيامًا، نحو نور ينكشف وحقيقة تتجلى كان سعيه، يُعرف نفسه ”إنني شيخ كبير في علو الدارجات..ثم إنني صرت طفلاً في حجور المرضعات”، بكلمة عاش وبها قٌتل، صوفي هو عند المريدين، رافض للسلطة وإذلال الفقر في نظر باحثين، و”زنديق” ملحد مسيء للدين لدى مخالفيه.
من قرية الطور بمقاطعة فارس في إيران ارتحل ”أبو المغيث الحسين بن منصور” مع عائلته، لأب امتهن حلج القطن ولهذا تُرجِع أغلب الروايات نَعته بـ”الحلاج”، في كتاتيب العراق التمس العلم في بدايته، وتحت أقدام المشايخ أخذ ينهل تعاليم الصوفية، تعلق بفكرة لم يعها الكثير، ما فتأ يكتب شعرًا ونثرًا عن أحواله مع ربه، وحبه الجم لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، خاض الحروف والتعبيرات اللغوية يسطر متوحدًا معها ”كتبت ولم أكتب إليك وإنما كتبت إلى روحي بغير كتاب، وذلك أن الروح لا فرق بينها وبين محبيها بفصل الخطاب”.
من كلماته وما قيل عنه تدور حياة ”الحلاج”، فلا سيرة له إلا عبر كلماته التي لم يصل منها سوى القليل بل النادر من بين صفحات من عدد من الكتب قيل إنه يبلغ 40، حُفظ منها كتابان ”الطواسين”، و”أخبار الحلاج” لأحد مرديه يدعى ”إبراهيم بن فاتك”، الجدل والنهاية المأساوية هو فلكه الذي وُضع فيه، رغم أنه كان رافضًا لقيود البشر، لذلك كانت ”شطحاته” العقلية واللغوية سبيله ليخلو بنفسه مع ما يجيد  ويحب.
بين شقى رحى التبرير والتعنيف كانت كلمات ”الحلاج”، هو ممتدح ومذموم إذا صاح في سوق بغداد ”أيها الناس اعلموا أن الله قد أباح لكم دمي فاقتلوني، اقتلوني تؤجروا وأسترح، اقتلوني تُكتبوا عند الله مجاهدين وأُكتب أنا شهيد”، ويقبحه البعض إن قال ”دللني دلال المعرفة والمحبة والعشق الأبدي دلالاً لا أطيقه.. خلصوني من الله فقالوا له.. ما هي الحقيقة التي وجدتها فقال لهم أنا الحق”.
متهم هو ”الحلاج” بالتلون إذا صرح بكلمات تخبر الظانين فيه السوء أنه ليس بملحد كافر ”من ظن أن الإلهية تختلط بالبشرية أو البشرية بالإلهية فقد كفر فإن الله تعالى تفرد  بذاته وصفاته عن ذوات الخلق وصفاتهم”، وأن باطن الكلم خلاف ما يظهر، فالنقيضين جمع الرجل دون أن يفصح عن تقبله لهذا أو ذاك قائلاً لأحد مريديه ”يا بني بعض الناس يشهدون لي بالكفر ويريدون قتلي، وبعضهم يشهدون لي بالولاية بحسن الظن بي”، حتى إذا ما اعتزل الناس في مكة لفترة طويلة، الفتات كان زاده بها صيفًا تحت وهج الشمس، وشتاءًا أسفل زخات المطر، لاحقه ”القيل والقال”، ووُصم بالجنون.
قُتل ”الحلاج” مرتين، فلا يُذكر أن أحدًا حاول مناظرته، كما أن أحدً من مرديه لم ينطق ببنت شفة دفاعًا، أو زودًا عنه فقط أسئلة يتبعها إجابة، أو قول يُنقل، ومن ثم يُحكم عليه، إذ سأله أحد  الأعراب ”ما في جعبتك؟” كانت إجابته ”ما في جعبتي إلا الله” وفي روايات أن ذلك الرد ساقه إلى مصيره، وإن ما نُقل عنه حديثه بالأعياد ”تُهدى الأضاحي وأهدى مهجتي ودمي”، وأما التنفيذ فصدر منذ تنبؤ الشيخ ”أبو القاسم الجنيد” له حينما صاح به ”أية خشبة سوف تفسدها”.
24 ذي القعدة 309 هـ تحقق المصير على مرأى الأشهاد، انطلقت ضحكات ”الحلاج” بمجرد رؤيته الخشبة المنتظر صلبه عليها كما قال تلميذه ”بن فاتك”، نظر إلى صديقه ”الشبلي” بين الحضور، طالبه بسجادة للصلاة، الدماء كانت تسيل من يديه، مسح وجهه وقال ”ركعتان في العشق لا يجوز وضوؤها إلا بالدم”.
ثلاثة أيام تنفيذ للحكم الصادر جراء تقدم محمد بن داود قاض بغداد إلى الحاكم العباسي ”المقتدر” متهمًا ”الحلاج” بالمروق عن الدين والإساءة له في أشعاره وأنه ”فتنة” لعن الله مَن تركها تلفظ أنفاس على أرض وتحت سماء الله.
قُبض على الرجل، في الخامسة والستين من العمر كان ”الحلاج”، شهورًا مَثُل في محاكمة وصفها البعض بالهزلية لمعرفة قرارها مسبقًا، ثلاثة من القضاة ”أبو عمر الحمادي، ابن سريج، ابن سليمان”، وصفهم ”صلاح عبد الصبور” في مسرحيته مأساة الحلاج، فالأول أنيق بدين يحابي الأثرياء والسلطة والثاني نحيل حسن السم، شافعي المذهب، والثالث قصير هادئ الصوت، وأما الحكم الذي جاء كما رُوى ”نصرة للإسلام” خالفه، فإن كان القتل مصير المرتد، فـ”الحلاج” لم يهنأ بالموت مرة واحدة بل سجن، وجلد، قطعت يداه، ثم صلب على جذع شجرة قيل قرب خرسان وقُطعت رأسه وانتهى الأمر بحرق جسده ونثر رفاته كما كلماته.

أنقر هنا لمتابعة صفحة السمير على الفايسبوك


هل لديك ما تقوله حول هذا الموضوع؟