مالكوم إكس

438px-Malcolm_X_NYWTS_4

 

مالكوم إكس (19 مايو 1925 – 21 فبراير 1965)، واسمه عند مولده: مالكوم ليتل، ويُعرف أيضاً باسم الحاج مالك الشباز، هو داعية إسلامي ومدافع عن حقوق الإنسان، وهو أمريكي من أصل إفريقي (إفريقي أمريكي)، صحَّح مسيرة الحركة الإسلامية التي انحرفت بقوَّة عن العقيدة الاسلامية في أمريكا، ودعا للعقيدة الصحيحة، وصبر على ذلك حتى اغتيل لدعوته ودفاعه عنها . بالنسبة لمحبيه: كان مالكوم إكس رجلاً شجاعاً يدافع عن حقوق السود، ويوجِّه الاتهامات لأمريكا والأمريكيين البيض بأنهم قد ارتكبوا أفظعَ الجرائم بحق الأمريكيين السود. وأما أعداؤه ومبغضوه فهم يتهمونه بأنه داعيةٌ للعنصرية وسيادة السود والعنف. وقد وُصف مالكوم إكس بأنه واحدٌ من أعظم الإفريقيين الأمريكيين وأكثرهم تأثيراً على مر التاريخ.
قُتل والد مالكوم إكس على يد مجموعة من العنصريين البيض عندما كان مالكوم إكس صغيراً، كما أن واحداً على الأقل من أعمامه قد أُعدم دون محاكمة، وأما أمه فقد وضعت في مستشفى للأمراض العقلية عندما كان في الثالثة عشر من عمره، فنُقل مالكوم إكس إلى دار للرعاية. وفي عام 1946م، أي عندما كان عمره عشرين سنة، سُجن بتهمة السطو والسرقة.
في السجن، انضم مالكوم
إكس إلى حركة أمة الإسلام، وعندما أُطلق سراحه عام 1952م ذاع صيته واشتهر بسرعة، حتى صار واحداً من قادة الحركة. وبعد عقد من الزمان تقريباً، صار مالكوم إكس المتحدث الإعلامي لهذه الحركة. ولكن بسبب وقوع خلاف بينه وبين رئيس الحركة إلايجا محمد، ترك مالكوم إكس الحركة في مارس 1964م. سافر مالكوم إكس بعد ذلك في رحلة إلى إفريقيا والشرق الأوسط، أدى خلالها مناسك الحج، ثم عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فأنشأ المسجد الإسلامي ومنظمة الوحدة الإفريقية الأمريكية. وفي شهر فبراير سنة 1965م، أي بعد أقل من سنة من تركه لحركة أمة الإسلام، قام باغتياله ثلاثةٌ من أعضاء الحركة.
تحولت أفكار مالكوم إكس ومعتقداته تحولاً جذرياً خلال حياته، فعندما كان متحدثاً باسم حركة أمة الإسلام كان ينشر أفكار التفرقة بين الأمريكيين البيض والسود، ويُحرض السود على البيض ويغذي أفكار العنصرية لديهم، وأما بعدما ترك الحركة عام 1964م، فإنه يقول في ذلك: «لقد قمتُ بالعديد من الأمور التي آسَفُ عليها إلى الآن، لقد كنتُ شخصاً متبلد الإحساس آنذاك، أُوجَّه نحو طريق معين وأسير فيه». تحول مالكوم إكس إلى المذهب السني، فابتعد عن العنصرية والتفرقة، وأعرب عن رغبته بالعمل مع دعاة الحقوق المدنية، مع أنه كان لا يزال يُشدد على ضرورة إعطاء السود حق تقرير المصير والدفاع عن النفس.

الأسرة
والدي مالكوم هما إيرل ليتل ولويز ليتل. كان والده من أتباع ماركوس غارفي الذي أنشأ جمعية بنيويورك ونادى بصفاء الجنس الأسود وعودته إلى أرض أجداده في أفريقيا. أما أمه فكانت من جزر الهند الغربية لكن لم تكن لها لهجة الزنوج، وضعته وعمرها ثمانية وعشرون عاماً، كانت العنصرية في ذلك الوقت في الولايات المتحدة ما زالت على أشدها، وكان الزنجي الناجح في المدينة التي يعيشون فيها هو ماسح الأحذية أو البواب.ولد مالكوم في 9 مايو 1925 في مدينة اوماها في ولاية نبراسكا وكان الرابع بين ثمانية أبناء. كان أبوه اير ليتل قسيساً معمدانياً وناشطاً سياسياً في أكبر منظمة للسود آنذاك وهي الجمعية العالمية لتقدم الزنوج. كانت حياة عائلة مالكوم عبارة عن سلسلة من النكبات فقد شهد الأب مقتل أربعة من أخواته الستة على يد العنصريين البيض، وتعرض لمضايقات وتهديدات من قبل العنصرين البيض بسبب نشاطاته السياسية، فرحل إلى مدينة لانسنغ في ولاية ميشيغان في العام 1928م. وبعد عدة شهور أحرق منزل العائلة من قبل منظمة كوكلوكس كلان العنصرية فرحلت العائلة من جديد إلي ضواحي مدينة لانسنغ وفي العام 1931 قتل والد مالكوم بصورة وحشية علي يد العنصريين البيض ولكن السلطات ادعت أنه مات دهساً فرعت الأم أطفالها الثمانية دون مورد للرزق ولاسيما أن السلطات حجبت عنها كل الإعانات أو الحقوق المالية وفي العام 1939 أصيبت بانهيار عصبي فأدخلت مصحة للأمراض العقلية.
مالكوم ليتل أو مالكوم إكس – لاحقاً – في طفولته.
وقبل هذا كان والده حريصاً على اصطحابه معه إلى الكنيسة في مدينة لانسينغ حيث كانت تعيش أسرته على ما يجمعه الأب من الكنائس، وكان يحضر مع أبيه اجتماعاته السياسية في الجمعية العالمية لتقدم الزنوج التي تكثر خلالها الشعارات المعادية للبيض وكان الأب يختم هذه الاجتماعات بقوله:« إلى الأمام أيها الجنس الجبار، بوسعك أن تحقق المعجزات.» وكان والده يحبه للون بشرته الفاتح قليلاً عنه أما أمه فكانت تقسو عليه لذات السبب وتقول له:«اخرج إلى الشمس ودعها تمسح عنك هذا الشحوب.» وعندما بلغ مالكوم سن السادسة قتلت والده جماعة عنصرية بيضاء عام 1931م وهشمت رأسه ووضعوه في طريق حافلة كهربائية دهسته حتى فارق الحياة  وتم اتهام والده لاحقاً بالانتحارفكانت صدمة كبيرة للأسرة وبخاصة الأم التي أصبحت أرملة وهي في الرابعة والثلاثين من عمرها وتعول ثمانية أطفال فترك بعض الأبناء دراستهم وعملت الأم خادمة في بعض بيوت البيض لكنها كانت تطرد بعد فترة قصيرة لأسباب عنصرية. وقبل فقد والده فقد مالكوم أربعة من أعمامه على يد العنصريين البيض أيضاً
بدأت أحوال أسرة مالكوم أكس تتردى بسرعة مادياً ومعنوياً وباتوا يعيشون على المساعدات الاجتماعية من البيض والتي كانوا يماطلون في إعطائها. فقد حاولت الأم أن تحصل على أي معونة اجتماعية لكي تستطيع أن تستمر في تربية الأولاد لكن لم توافق الهيئات الاجتماعية على اعطائها أي معونة لتربية الأطفال. وكانت الأم ترفض وتأبى أن تأخذ الصدقات حتى تحافظ على الشيء الوحيد الذي يمتلكونه وهو كرامتهم، غير أن قسوة الفقر سنة 1934م جعلت مكتب المساعدة يتدخل في حياتهم، وقبلها كان الموظف الأبيض فيه يحرض الأبناء على أمهم. وأصبح الأطفال السود أطفال الدولة البيضاء، وتحكم الأبيض في الأسود بمقتضى القانون
ومع هذه الظروف القاسية عانت والدة مالكوم أكس من صدمة نفسية تطورت حتى أدخلت مستشفى للأمراض العقلية قضت فيه نصف حياتها، فتجرع مالكوم أكس وأخوته الثمانية مرارة فقد الأب والأم معاً، وأصبحوا أطفالاً تحت رعاية الدولة التي قامت بتوزيعهم على بيوت مختلفة. أودعت الأم في المستشفى سنة 1939 وأنفصل مالكولم وأشقائه وأرسلو إلى منازل تبني مختلفة، وقد بقيت الأم في مستشفى الأمراض العقلية حتى قام مالكوم وإخوته إخراجها بعد 26 سنة.

العمل

ترك مالكوم المدرسة بعد أن حبطه معلمه المقرب – معلم التاريخ – فتنقل بين الأعمال المختلفة المهينة التي تليق بالزنوج من نادل في مطعم فعامل في قطار إلى ماسح أحذية في المراقص حتى أصبح راقصاً مشهوراً يشار إليه بالبنان، وعندها استهوته حياة الطيش والضياع فبدأ يشرب الخمر وتدخين السجائر، وكان يجد في لعبة القمار المصدر الرئيسي لتوفير أمواله إلى أن وصل به الأمر لتعاطي المخدرات بل والاتجار فيها، ومن ثم سرقة المنازل والسيارات. كل هذا وهو لم يبلغ الواحدة والعشرين من عمره بعد حتى وقع هو ورفاقه في قبضة الشرطة
ففي عام 1941 رحل مالكوم إلي مدينة بوسطن في ولاية ماساشوسيتس حيث عمل في مسح الأحذية هناك وغسل الصحون، ثم عمل في السكة الحديد، وأنخرط في عالم الإجرام. ثم انتقل في العام 1943 إلى نيويورك للعمل بها في السكك الحديدية أيضاً وكان عمره واحداً وعشرين عاماً وعمل عليه في بيع السندوتشات ثم فصله من عمله بسبب تعاطيه الكحول والمخدرات فعاد الي بوسطن عام 1945 وفي السنة التالية اعتقل عدة مرات بتهمة حمل السلاح والسرقة بعد هذا تنقل بين عدة أعمال منها أن يعمل بائعاً متجولاً وتعلم البند الأول في هذه المهنة وهو ألا يثق بأحد إلا بعد التأكد الشديد منه. وعاش فترة الحرب العالمية الثانية وشاهد ما ولدته الحرب من خراب ودمار وغاص في أنواع الجرائم المختلفة وعاش خمس سنوات في ظلام دامس وغفلة شديدة، وفي أثناء تلك الفترة أعفي من الخدمة العسكرية لأنه صرح من قبيل الخديعة أنه يريد إنشاء جيش زنجي.
فقد بدأ مالكوم إكس حياته العملية بمسح أحذية الرجل الأبيض، ثم صار تاجر حشيش. بعدها صار يبيع ما خف وزنه وغلا ثمنه الهيروين. ومن ثم عمل بائعاً في خطوط القطار ثم انتقل للعمل في القمار. مما عرض حياته للموت أكثر من مرة. وقبل هذا كانت الجماهير تصفق له في قاعات الرقص حين يضع يده في يد احدى الفتيات ويبهر الحضور برقصه البارع وصادق العديد من الموسيقيين المعروفين من السود. وبسبب ادمانه وخسارته للأموال اضطر للتحول لعمليات السطو على منازل الأثرياء البيض والمسرح الأساسي لهذا كله هو حي هارلم في مدينة نيويورك حتى وقع هو ورفاقه في قبضة الشرطة فأصدروا بحقه حكماً مبالغاً فيه بالسجن لمدة عشر سنوات بينما لم تتجاوز فترة السجن بالنسبة للبيض خمس سنوات وذلك لإشراكه فتاتين من البيض في عملياته ولأنه كان صديقاً لفتاة بيضاء وهي جريمة منكرة في ذلك الوقت من تاريخ العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية.

القراءة

أسلم مالكوم على أفكار أمة الإسلام واتجه في سجنه إلى القراءة الشديدة والمتعمقة فقرأ مواضيع كثيرة خاصة في تاريخ الرجل الأسود، وبعض الأمور التي كونت تفكيره مثل قراءة عن الجينات وكيف أن الرجل الأسود قد ينتج أبيضًا ولا يمكن لرجل أبيض أن ينتج أسودًا وزاد قاموسه من الكلمات الإنجليزية أكثر من استطاعة أي رجل عادي، وانقطعت شهيته عن الطعام والشراب وحاول أن يصل إلى الحقيقة وكان سبيله الأول هو الاعتراف بالذنب، ورأى أنه على قدر زلته تكون توبته. فلم يقاطع المراسلة مع إليجاه محمد طوال فترة إسلامه في السجن إلى أن خرج. وقبل هذا نصحه زميله في السجن بيمبي أن يتعلم، فتردد مالكوم على مكتبة السجن وتعلم اللغة اللاتينية. وانقطع عن التدخين وأكل لحوم الخنزير وعكف على القراءة والإطلاع إلى درجة أنه التهم آلاف الكتب في شتى صنوف المعرفة فأسس لنفسه ثقافة عالية مكنته من استكمال جوانب النقص في شخصيته. فبدأ يحاكي صديقه “بيمبي” في تثقيف نفسه ثم حفظ المعجم فتحسنت ثقافته وبدا السجن له كأنه واحة أو مرحلة اعتكاف علمي وانفتحت بصيرته على عالم جديد فكان يقرأ في اليوم خمس عشرة ساعة وعندما تطفأ أنوار السجن في العاشرة مساء كان يقرأ على ضوء المصباح الذي في الممر حتى الصباح. وشرع بنسخ كلمات القاموس كلمة إثر كلمة.
وقرأ قصة الحضارة وتاريخ العالم، وما كتبه النمساوي مندل في علم الوراثة، وتأثر بكلامه في أن أصل لون الإنسان كان أسود، وقرأ عن معاناة السود والعبيد والهنود من الرجل الأبيض وتجارة الرقيق، وقرأ أيضاً لمعظم فلاسفة الشرق والغرب، وأعجب بسبينوزا لأنه فيلسوف أسود، وغيرت القراءة مجرى حياته، وكان هدفه منها أن يحيا فكرياً لأنه أدرك أن الأسود في أمريكا يعيش أصم أبكم أعمى ودخل في السجن في مناظرات أكسبته خبرة في مخاطبة الجماهير والقدرة على الجدل، وبدأ يدعو غيره من السجناء السود إلى حركة أمة الإسلام فاشتهر أمره بين السجناء. فكانت هذه اللمناظرات العديدة التي كان له فيها الباع الأطول ملكته قوة الحجة وفصاحة اللسان.
فخرج بآراء تتفق مع آراء إليجاه محمد في أن البيض عاملوا غيرهم من الشعوب معاملة الشيطان ثم عمل في صفوف أمة الإسلام يدعو إلى الانخراط فيها بخطبه البليغة وشخصيته القوية فكان ساعداً لا يمل وذراعاً لا تكل من القوة والنشاط والعنفوان حتى استطاع جذب الكثيرين للانضمام إلى هذه الحركة. ثم صدر بحقه عفو وأطلق سراحه لأن الحكم عليه كان بالسجن لمدة 10 سنوات فتم إطلاق سراحه بعد أن قضى بالسجن 7 سنوات فقط.

إنضمامه إلى أمة الإسلام

ظهرت في أوائل القرن العشرين حركة بين السود في أمريكا تبنت الإسلام بمفاهيم خاصة غلبت عليها الروح العنصرية عرفت باسم أمة الإسلام، وذلك على يد رجل أسود غامض الأصل اسمه والاس فارد ظهر فجأة في ولاية ديترويت داعيًا إلى مذهبه بين السود وقد اختفى بصورة غامضة بعد ذلك بأربع سنوات، فحمل لواء الدعوة بعده إليجا محمد وصار رئيسًا لأمة الإسلام.
كانت هذه الحركة تدعو إلى تفوق الجنس الأسود وسيادته على الأبيض ووصف البيض بأنهم شياطين وأن الملاك أسود والشيطان أبيض، وكانت عقيدة هذه الجماعة منحرفة باطلة أشبه بالحركات الباطنية فلقد أعلن زعيم الحركة إليجا محمد بأنه رسول من الله وأن الإله ليس شيئاً غيبياً بل يجب أن يكون متجسدًا في شخص وهذا الشخص هو فاراد الذي حل فيه الإله وهو جدير بالدعاء والعبادة لذلك فالصلاة عندهم عبارة عن قراءة الفاتحة مع دعاء مأثور والتوجه نحو مكة واستحضار صورة فارد في الأذهان. ولا يؤمن إليجا محمد إلا بما يخضع للحس لذلك فهو لا يؤمن بالملائكة والغيبيات والبعث عنده عقليًا للسود الأمريكيين فقط، والصوم عندهم في شهر ديسمبر من كل عام مع إلزام كل عضو بالحركة أن يدفع عشر دخله لصالح الحركة، ونستطيع أن نقول أن هذه الحركة كانت تنظر للإسلام على أنه إرث روحي سوف ينقذ السود من سيطرة البيض عليهم.
راسل مالكوم إليجا محمد الذي كان يعتبر نفسه رسولاً، وتأثر بأفكارهِ وبدأ يراسل كل أصدقائه القدامى في الإجرام وهو في السجن ليدعوهم إلى الإسلام. ثم خرج مالكوم من السجن سنة 1952 وهو ينوي أن يعمق معرفته بإليجا محمد، فذهب إلى أخيه بعد ست سنوات من السجن في دترويت وهناك تعلم قراءة الفاتحة واشترى لنفسه حقيبة وساعة يد ونظارة بعد إطلاق سراحه من السجن مباشرة ويقول إن الأشياء التي اشتراها بعد خروجه من السجن هي أكثر الأشياء التي استعملها في حياته وعمل مع أخيه في دترويت في محل لبيع الأثاث وبعد عدة أشهر حضر أحد نشاطات أمة الإسلام حيث خطب إليجا محمد، وانضم رسمياً إلى منظمته، وتحول إلى حياة الزهد والتعلم وذهب إلى المسجد، وتأثر بأخلاق المسلمين، وفي المسجد استرعت انتباهه عبارتان: الأولى تقول: إسلام = حرية، عدالة، مساواة والأخرى مكتوبة على العلم الأمريكي وهي: عبودية, ألم، موت. ثم استطاع أن يلتقى بإليجا محمد، وبدأ يدعو الشاب الأسود في البارات والأماكن الفاحشة إلى هذه الحركة فتأثر به كثيرون لأنه كان خطيباً مفوهًا ذا حماس شديد فذاع صيته حتى أصبح في فترة وجيزة إماماً ثابتاً في مسجد دترويت  بعد أن كان مساعد إمام من ثم تفرغه للدعوة.

تغيير الاسم والحالة الأسرية

غير مالكوم اسمه من “مالكوم ليتل ” إلى “مالكوم أكس” – حرف الإنجليزية X – وكان هذا إجراء معهوداً من قبل المنضوين في تلك المنظمة وهو يرمز إلى الاسم الأخير الذي سلب منهم جراء استعبادهم علي يد البيض فقد فسر مالكوم الاسم الذي اختاره لنفسه بقوله:« إن إكس ترمز لما كنت عليه وما قد أصبحت، كما يعني ـ في الرياضيات ـ المجهول وغير معلوم الأصل.» وبما أن السود في أمريكا منفصلون عن أصولهم وجذورهم، فقد فضل مالكوم استخدام إكس على اللقب الذي منح لأجداده من قبل مالكيهم بعد جلبهم من إفريقيا إلى أمريكا كعبيد بدلاً من ليتل نظراً لضياع اسم العائلة الحقيقي أثناء فترات العبودية السابقة التي عانى منها أجداده، ولنفس الأسباب قام العديد من أعضاء حركة أمة الإسلام بتغيير ألقابهم إلى إكس لاقتناعهم بآراء مالكوم. فقد كان مالكوم من الاتباع المخلصين لأمة الإسلام وكان على قناعة ان العبودية الأمريكية للزنوج أضاعت الكنى الأصلية للمواطنين السود بعد أن سمّاهم البيض بأسماء مسيحية وقام مالكوم على هذا الأساس بتغيير كنيته إلى “اكس” كناية عن ضياع كنيته الأصلية ثم تزوج مالكوم في هذه المرحلة من إحدى فتيات أمة الإسلام بيتي شباز – بيتي سانرس سابقاً – وكان له منها أربع فتيات، وقد سمى الأولى عتيلة، على اسم القائد الذي نهب روما.
في نهاية عام 1959 بدأ ظهور مالكوم في وسائل الإعلام الأمريكية كمتحدث باسم حركة أمة الإسلام، فظهر في برنامج بعنوان: الكراهية التي ولدتها الكراهية وأصبح نجماً إعلامياً انهالت عليه المكالمات الهاتفية وكتبت عنه الصحافة وشارك في كثير من المناظرات التلفزيونية والإذاعية والصحفية فبدأت السلطات الأمنية تراقبه خاصة بعد عام 1961. بل راقبه مكتب المباحث الفدرالي عن كثب وتنصت على مكالماته التلفونية وزرع الجواسيس في الحركة.
وبدأت في تلك الفترة موجة تعلم اللغة العربية بين أمة الإسلام لأنها اللغة الأصلية للرجل الأسود كما يقولون. وكانت دعوة مالكوم في تلك الفترة تنادي على أساس أن للإنسان الأسود حقوقاً إنسانية قبل حقوقه المدنية، وأن الأسود يريد أن يكرم كبني آدم، وألا يعزل في أحياء حقيرة كالحيوانات وألا يعيش متخفياً بين الناس وفي عام 1962 عين إماماً قومياً في منظمة أمة الإسلام وفي العام التالي أصدر إليجاه محمد أوامر لجميع الأئمة بعدم التعليق علي مقتل الرئيس الأميركي جون كينيدي، ولكن مالكوم صرح بأن سلاح كينيدي قد أرتد إلي نحره وحصد ما زرعه وبأسرع مما توقع هو نفسه فعمد إليجا محمد إلى تجميد عضوية مالكوم في المنظمة، وكانت الخلافات قد نشبت بينهما قبل ذلك بعدة أشهر فقدم مالكوم استقالته من المنظمة وذهب في رحلة قام خلالها بأداء فريضة الحج.

الدعوة إلى الإسلام

تخلص مالكوم من عنصريته الأمريكية في مكة المكرمة. ذلك الأمريكي الأسود الذي أسلم على يد جماعة عانت اضطهاد البيض – حركة أمة الإسلام – فقادتها العنصرية البيضاء إلى عنصرية سوداء ورغم أن الإسلام جعل من مالكوم قائداً ينافس مارتن لوثر كينج شعبية وتأثيراً إلا أنه – أي مالكوم إكس – ظل حاقداً على كل ما هو أبيض. فعجزت أمريكا عن اقتلاع عنصريته ومعاناته بل كرستها أما مكة فلم تعجز. فتلاشت عنصريته حين رأى الأبيض والأسود يأكلون من الطبق الذي يأكل منه، ويلبسون الملابس التي يلبسها، ويتوجهون للواحد الأحد عندها كتب من مكة المكرمة عن إسلام بلا فوارق أو ألوان.[16]
عاد مالك الشباز – اسم مالكوم إكس الجديد – لأمريكا سنة 1380 هـ وأعلن براءته من مبادئ حركة أمة الإسلام العنصرية وحاول إقناع زعيمها إليجاه محمد بأخطائه ودعاه لزيارة الكعبة ولكن إليجا محمد غضب بشدة واعتبره منشقًا عن الحركة وطرده منها فشكل مالك جماعة جديدة سماها جماعة أهل السنة وبدأ يدعو للدين الحق بصورته الصحيحة، وبنفس الحماس السابق المعهود عنه, أخذ مالكوم في دعوة المسلمين السود وغيرهم للإسلام وكثر أتباعه خاصة من السود. واشتعلت الفتنة بين مالكوم وإليجا بعد اتهام مالكوم إكس إليجاه بالزنى.
لم تعجب هذه الأفعال زعيم أمة الإسلام إليجا محمد فهدد مالك شباز وأمره أن يكف عن دعوته الحقة وشن عليه حملة إعلامية شديدة لصد الناس عنه ولم تكن هذه الأمور والتهديدات تزيد مالكوم إلا إصرارًا ومواصلة للدعوة بين الناس وفي 14 فبراير بعد صدور أوامر من أمة الإسلام بقتله أضرموا النار في بيته لكنه نجى، وأخذت الصحف الأمريكية في شن حرب ضده ووصفه بأنه يريد أن يدمر أمريكا ويثير ثورة بين السود والعجيب أن مالكوم عندما كان يدعو لدعوة أمة الإسلام ذات الطابع العنصري مجدته الصحف وفتح التلفاز له أبوابه، وعندما بدأ يدعو للدين الحق والسنة الصحيحة هاجموه وحاربوه.
لقد كان خروج مالكوم من جماعة أمة الإسلام بمثابة ولادة ثانية له عقب الأولى داخل السجن، فقد انقشعت تلك الغشاوة عن عينيه وبدأ يبصر الأشياء على حقيقتها، فقد تحرر من أغلال ذاك التنظيم ليبرز زعيماً لا منافس له بين السود الأمريكيين منافحاً عن حقوقهم لكن هذه المرة بعيداً عن ذاك التعصب الأعمى، متوجاً هذه المرحلة من حياته برحلة حجٍ إلى مكة تعرف من خلالها على العالم الإسلامي وعلى دين الله الصحيح، فوجد فيه رسالةً لتحرير الإنسان كل الإنسان مهما كان لونه وعرقه من أغلال العبودية والإستغلال، رسالةً كانت أمريكا في ذاك الوقت في أمس الحاجة لفهمها لأن الإسلام كما ذكر مالكوم أثناء حجه:«الدين الوحيد الذي يملك حل المشكلة العنصرية فيها.» وليس أبلغ من كلمات لوصف هذه الرحلة من ما ذكره مالكوم بنفسه حيث قال:« لقد أوسع الحج نطاق تفكيري وفتح بصيرتي فرأيت في أسبوعين ما لم أره في تسعٍ وثلاثين سنة، رأيت كل الأجناس من البيض ذوي العيون الزرق حتى الأفارقة ذوي الجلود السوداء وقد ألّفت بين قلوبهم الوحدة والأخوة الحقيقية فأصبحوا يعيشون وكأنهم ذاتٌ واحدة في كنف الله الواحد.» وقد أضحى أعلى صوتاً وأقوى حجة زارعاً بذور الحقد والضغينة في قلوب جماعة أمة الإسلام ومؤسسها وقد بدأ رصيدها في الانحدار ليتخذ القرار بإسكاته عن طريق التهديد المتواصل أو قتله إذا اقتضى الأمر، وهذا كله يجري تحت نظر وسمع وكالة المخابرات الأمريكية.
لقد زاد مالكوم من نشاطه محاولاً أن يعطي كل ما لديه قبل فوات الأوان، فقد عرف بفطرته السليمة وخبرته الواسعة وعلمه الغزير أن أجله قد اقترب فهذا هو درب السائرين إلى الله الساعين إلى الإصلاح ينتقلون من محنة إلى أخرى إلى أن يختارهم الله إلى جواره، إنه زمن الشهادة قالها مالكوم لأحد الصحفيين:« أنا الآن أعيش زمن الاستشهاد فإذا حدث ومت فإنني سأموت شهيد الأخوة وهي الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذ البلاد، لقد وصلت إلى هذه القناعة بعد تجربة شاقة ولكنني وصلت إليها.» لقد أراد مالكوم أن يحقق بموته ما سعى لتحقيقه في حياته يسجل هذه المرة ببرهان الدماء بعدما وصلت الحواس إلى نهاية الطريق. إنها الحرية التي قال عنها:« إذا لم تكن مستعداً للموت من أجل الحرية فاحذف هذه الكلمة من قاموسك» فكان له ما أراد حيث انطلقت ست عشرة رصاصة لتستقر في جسده النحيل وهو واقف على المنصة يخطب الناس وذاك في الحادي والعشرين من شباط سنة 1965 بمدينة نيويورك، لينال الحرية المطلقة من كل أغلال الدنيا وأوزارها.

اغتياله

اغتيالههناك في الحج بعدما تعرف مالكوم على الإسلام – وكيف ينادي بالمساواة بين الأعراق، تخلى مالكوم عن اعتقاده بأن البيض شياطين وعقب ذلك أسس منظمة أسماها مؤسسة المسجد الإسلامي وأخرى حملت اسم منظمة اتحاد الأفارقة الأميركيين وأخذ يتجه بأفكاره نحو الاشتراكية محاولاً في هذه المنظمة الأخيرة أن يجد أرضية مشتركة للنضال تضم جميع المناضلين السود. وعلى الرغم من سعيه إلى الابتعاد عن النزاع مع منظمة أمة الإسلام إلا أن خصاما علنيا نشب بين الطرفين فيما بعد، وأمرته المنظمة بإخلاء بيته لأنه ملك لها ، فنذر نفسه للدعوة إلى الإسلام الحقيقي وحاول تصحيح مفاهيم جماعة أمة الإسلام الضالة المضلة، فقوبل بالعداء والكراهية منهم وبدءوا بمضايقته وتهديده فلم يأبه لذلك، وظل يسير في خطى واضحة راسخة يدعو إلى الإسلام الصحيح الذي يقضي على جميع أشكال العنصرية. صاغ بعد عودته أفكاراً جديدة تدعو إلى الإسلام الصحيح أو الإسلام اللاعنصري وأخذ يدعو إليه ونادى بأخوة بني الإنسان بغض النظر عن اللون ودعا إلى التعايش بين البيض والسود لذلك هاجموه وحاربوه، وأحجمت الصحف الأمريكية عن نشر أي شيء عن هذا الاتجاه الجديد، واتهموه بتحريض السود على العصيان فقال: «عندما تكون عوامل الانفجار الاجتماعي موجودة لا تحتاج الجماهير لمن يحرضها وإن عبادة الإله الواحد ستقرب الناس من السلام الذي يتكلم الناس عنه ولا يفعلون شيئاً لتحقيقه»
بتنامي الخلافات بين مالكوم ومنظمة أمة الإسلام، قامت المنظمة بإعطاء أوامرها بقتل مالكوم إكس، وفي 14 شباط/فبراير 1965 قامت مجموعة بإضرام النيران في بيت مالكوم إلا أن النجاة كتبت له ولعائلته من النيران وفي الحادي والعشرين من نفس الشهر الموافق 18 شوال 1384 هـ صعد مالكوم إلى المنصة في قاعة مؤتمرات في مدينة نيويورك ليلقي محاضرة ويدعو إلى الإسلام، وخلال المحاضرة نشبت مشاجرة مفتعلة في الصف التاسع بين اثنين من الحضور، فالتفت الناس إليهما، وحاول الحراس الشخصيون لمالكوم السيطرة على الوضع، فاقترب رجل من المنصة وأطلق النار على مالكوم وأصابه في صدره وبعدها تقدم رجلان آخران من المنصة وأمطروا مالكوم بوابل من النيران فأردوه قتيلاً أصيب مالكوم بست عشرة رصاصة في صدره فتدفق الدم بغزارة من جسد هذا الداعية ليلقى مصرعه على الفور. تم القبض على القتلة الذين اتضح بعد ذلك أنهم من رجال منظمة أمة الإسلام ولكنهم أنكروا أن يكونوا قد تلقوا أوامر من إليجا محمد بقتل مالكوم إكس، وقالوا أنهم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم فلم يُدَن إليجا محمد بشيء كانت وفاة مالكوم إكس نقطة تحول في سير حركة أمة الإسلام حيث تركها الكثيرون والتحقوا بجماعة أهل السنة وعرفوا دينهم الحق، وتغيرت كثير من أفكار جماعة أمة الإسلام خاصة بعد رحيل إليجا محمد وتولية ابنه والاس محمد الذي تسمى بوارث الدين محمد فصحح أفكار الجماعة وغير اسمها إلى البلاليين نسبة إلى الصحابي بلال بن رباح، وجعل المسلمين السود الأمريكيين أقرب ما يكونوا إلى تيار الإسلام الوسطي وكان كل ذلك صدى لأفكار ودعوة الداعية مالكوم إكس الذي خر صريعًا للدعوة إلى دين الله.

القاتل

قامت شرطة نيويورك بالقبض على مرتكبي الجريمة وثارت عدة نظريات تقول بأن اغتيال مالكوم إكس كان مؤامرة وقف وراءها مروجو المخدرات أو الإف بي آي أو السي آي ايه. ومن الراجح أن هذه العملية كانت من عمل منظمة أكبر من منظمة أمة الإسلام، فمالكوم إكس قد تدرب في منظمة أمة الإسلام وهو يعرف مقدرتها وهذا كان أكبر من قدراتها. وقد علق أليكس هيلي بأن الوضع كان غير آمن وكانت مؤامرة مدبرة. وبعد شهر واحد من اغتيال مالكوم إكس أقر الرئيس الأمريكي جونسون مرسوماً قانونياً ينص على حقوق التصويت للسود وأنهى الاستخدام الرسمي لكلمة نجرو – كلمة إنكليزية تعني الزنجي وتعتبر إهانة في الغالب – التي كانت تطلق على السود في أمريكا.
في نيسان عام 2010، أطلقت السلطات الأمريكية سراح قاتل مالكوم اكس بموجب عفو بعد 45 عاماً من حادثة الاغتيال، وكان توماس هاجان – 69 عاماً – هو الشخص الوحيد الذي اعترف بدوره في اغتيال مالكوم. واعترف هاجان، الذي أفرج عنه من سجن في نيويورك، بأنه أطلق النار على مالكوم إكس أثناء إلقائه خطبة في حي هارلم عام 1965 لكنه أصر على أن الرجلين الآخرين المدانين معه في نفس المحاكمة لا علاقة لهما بالأمر. وتمسك الرجلان الآخران بأنهما بريئين وأطلق سراحهما بموجب عفو في الثمانينات من القرن الماضي. وتقدم هاجان، الذي أبدى الندم على فعلته مراراً، بستة عشر طلباً للعفو خلال سنوات سجنه – نفس عدد الطلقات التي أطلقها على مالكوم إكس – لكن لم يستجب لطلبه إلا في شهر آذار 2010. وكانت السلطات الأمريكية قد سمحت لهاجان بقضاء خمس ليال في الأسبوع في منزله خلال السنوات الإثنتين والعشرين الأخيرة من فترة سجنه.

أنقر هنا لمتابعة صفحة السمير على الفايسبوك


هل لديك ما تقوله حول هذا الموضوع؟